الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
104
نفحات الولاية
أغلب الآيات القرآنية الواردة بهذا الشأن ، فقد طالعتنا مختلف المصادر الإسلامية بأنّ سعة الرزق أوضيقه إنّما هي خاضعة لإرادة اللَّه ومشيته بغية اختبار العباد وتمحيصهم . بعبارة أخرى : لقد منح الإنسان ما يوافق مصلحته . وهذا الأمر يثير عدّة أسئلة منها : أولًا : إذا كان الأمر كذلك ، فما معنى السعي والجهد من أجل الرزق . ثانياً : إنّ مثل هذا الاستنتاج يؤدي إلى سكون الأنشطة الاجتماعية وتخلف المجتمعات البشرية ؛ المجتمعات التي ينبغي أن تعيش حالة النشاط والمثابرة بغية عدم تخلفها عن سائر المجتمعات ولا سيما غير الإسلامية ، فقد صرح القرآن الكريم بهذا الشأن قائلًا : « نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ » « 1 » ، إلّاأنّ الإجابة على السؤال المذكور وردت في الروايات الإسلامية ، بحيث لا يبقى من مجال للغموض إذا تأملناها بأجمعها ، فقد جاء في كلمات أمير المؤمنين علي عليه السلام في نهج البلاغة : « إنّ الرزق رزقان ؛ رزق تطلبه ، ورزق يطلبك ، فان أنت لم تاته أتاك » « 2 » . والواقع كذلك فالقسم الأعظم من الرزق يتطلب سعي الإنسان وجهده وتوظيفه لكافة إمكاناته واستعداداته وطاقاته وليس له الظفر به دون ذلك ، إلّاأنّ القسم الآخر من الرزق يأتي إلى الإنسان دون السعي إليه ، ليدل الإنسان على أن السعي والجهد وإن كان أصلًا مسلما إلّا أنّ رازقية الله لا تقتصر على ذلك ، فلابد من التوجه إلى اللَّه وطلب الرزق منه . من جانب آخر جاء في الخبر أن من بين الأدعية التي لا تستجاب دعاء الإنسان الصحيح الذي لزم بيته وقعد عن السعي وهو يدعو اللَّه : اللهم إرزقني فتناديه الملائكة بان دعائك ليس بمستجاب ، قم وإعمل . فقد ورد في الرواية أن الإمام الصادق عليه السلام قال : « أربع لايستجاب لهم دعاء : الرجل جالس في بيته ، يقول : يا رب ارزقني ! فيقول له : ألم آمرك بالطلب » . « 3 » أضف إلى ذلك فانّ التقديرات الإلهية في أغلب الموارد إنّما تنسجم وتدبيرنا وتخطيطنا ، أي أنّ الله قدر سهما وخيرا لمن سعى وبذل جهده ، بينما قدر أقل من ذلك لمن تقاعس وكسل . فهذا
--> ( 1 ) سورة الزخرف / 32 . ( 2 ) نهج البلاغة ، الرسالة 31 . ( 3 ) ميزان الحكمة 2 / ح 5701 .